مركز الثقافة والمعارف القرآنية
482
علوم القرآن عند المفسرين
والاخلال بنظام المدنية وراحة الاجتماع . ولك العبرة بأن التوراة الرائجة فيها وشل من تعاليم التوراة الحقيقية ، ولكن لأنها تلفيق واختلاق بشري كدّرت ما فيها من ذلك الوشل وذهبت بصفاء التعليم الإلهي . فأمرت بني إسرائيل بالحكم بالعدل لقريبهم ونهتهم عن الحقد على أبناء شعبهم وعن السعي بالوشاية وعن شهادة الزور على قريبهم ، وأن يغدر أحدهم بصاحبه . ويا للأسف على شرف هذا الأمر والنهي إذ شوهت جماله بتخصيص تعليمها لبني إسرائيل وبتخصيص المأمور به والمنهي عنه بالقريب والشعب والصاحب . ولك العبرة أيضا بأن الأناجيل الرائجة قد أفرطت بتصوفها البارد فنهت عن ردع الظالمين بالانتصاف من الظالم ، وقطع مادة الفساد بالحدود الشرعية ودفاع الظالمين ، بل علمت بأن من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر أيضا ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا ومن اخذ الذي لك فلا تطالبه . فلوثت بافراطها البشري قدس تعاليم المسيح المتلقاة من الوحي الإلهي . اعجازه في وجهة علم الغيب : وقد تكرر في القرآن معجزة في اخباره بالغيب اخبارا يقتضي التكهن والفراسة خلافه ، من حيث النظر إلى الحال الحاضر وطغيان الشرك ، وضعف الدعوة الإسلامية وما يجري من النكال والتشريد والجفاء على ملبيها . فمن ذلك قوله في سورة الحجر المكية في الأمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالاعلان بالدعوة والبشرى بنجاحها وارغام معانديها ومعارضيها ، وكان ذلك عند طغيان الشرك واستفحاله وهيجان المشركين على رسول اللّه : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ « 1 » ، وقد كفاه اللّه اشرف كفاية لم تكن تعلق بها الآمال بحسب العادة . وقد بان للمشركين وعلموا ما في قوله تعالى في آخر الآية فسوف يعلمون . وقوله في سورة الصف المكية في الحال الذي وصفناه من طغيان الشرك والمشركين : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 94 - 96 .